العلامة المجلسي

134

بحار الأنوار

ذكرت خيرا علموه ( 1 ) وعلمت شيئا جهلوه ، بل حظيت ( 2 ) بما حل من حالك في صدور العامة وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ، ويعملون بأمرك . إن أحللت أحلوا وإن حرمت حرموا ، وليس ذلك عندك ، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم ، وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ومنهم . أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة ، وما الناس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا ، فتاقت نفوسهم ( 3 ) إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه ، وفي بلاء لا يقدر قدره . فالله لنا ولك وهو المستعان . أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسما لهم ( 4 ) لاصقة بطونهم بظهورهم ، ليس بينهم وبين الله حجاب ، ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها ، رغبوا فطلبوا ، فما لبثوا أن لحقوا ، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنه ، الجاهل في علمه ، المأفون في رأيه ( 5 ) ، المدخول في عقله . إنا لله وإنا إليه راجعون . على من المعول ؟ وعند من المستعتب ؟ نشكو إلى الله بثنا ( 6 ) وما نرى فيك ، ونحتسب عند الله مصيبتنا بك . فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، وكيف إعظامك لمن

--> ( 1 ) في بعض النسخ " أم هل ترى ذكرت خيرا علموه وعملت شيئا جهلوه " . وفى بعضها " أم هل تراه ذكرا خيرا عملوه وعملت شيئا جهلوه " . ( 2 ) من الحظ . رجل حظى إذا كان ذا منزلة . ( 3 ) تافت : اشتافت . ( 4 ) الاسمال : جمع سمل - بالتحريك - : الثوب الخلق البالي . ( 5 ) المأفون : الذي ضعف رأيه . والمدخول في عقله : الذي دخل في عقله الفساد . ( 6 ) المعول : المعتمد والمستغاث . واستعتبه : استرضاه . والبث : الحال ، الشتات ، أشد الحزن .